ابراهيم بن عمر البقاعي

318

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وثوقا بالمحبة ، يقال : تدلل عليه ، أي انبسط ووثق بمحبته فأفرط عليه ، وانبساطه صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الحالة إفراط كثرة سؤاله ، وشفاعته في أمته ، وبذلك ظهر إلى عالم الشهادة أنه أرحم الخلق كما كان معلوما إلى عالم الغيب ، فتسبب عنه زيادة تقريبه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، وإبراز هذا الكلام في هذه الضمائر المتحملة لهذه الوجوه من غير ظاهر يعين المراد يناسب لتلك الحالة ، فإنها كانت حالة غيب وخفاء وستر ، وكان العلم فيها واسعا ، وسوق الضمائر هكذا يكثر احتمال الكلام للوجوه ، فيتسع العلم مع أنه ليس فيها وجه يؤدي إلى لبس في الدين ولا ركاكة في معنى ولا نظم ولا مجال للعلم - واللّه أعلم . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 11 إلى 18 ] ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) ولما أثبت هذا الكلام ما أثبت من القرب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ممن أوحى إليه على كلا التقديرين ، قرره على وجه أفاد الرؤية فقال : ما كَذَبَ الْفُؤادُ أي القلب الذي هو في غاية الذكاء والاتقاد ما رَأى البصر أي حين رؤية البصر كان القلب ، لا أنها رؤية بصر فقط تمكن فيها - للخلو عن حضور القلب - النسبة إلى الغلط ، وقال القشيري ما معناه : ما كذب فؤاد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما رآه بصره ، بل رآه على الوصف الذي علمه قبل أن رآه فكان علمه حق اليقين ، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « هل رأيت ربك ؟ قال : نور إليّ أراه » « 1 » ، وفي صحيح مسلم أيضا عن مسروق أنه قال لعائشة رضي اللّه عنها لما أنكرت الرؤية : ألم يقل اللّه تعالى وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ و لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إنما هو جبرئيل عليه السّلام ، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض » « 2 » . قال البغوي : وذهب جماعة إلى أنه رآه فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده ، ثم روي من صحيح مسلم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : « رآه بفؤاده مرتين » « 3 » وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس رضي اللّه عنه ، وقال ابن برجان ما معناه : إن

--> ( 1 ) أخرجه مسلم 178 وأحمد 5 / 157 و 171 من حديث أبي ذر . ( 2 ) أخرجه مسلم 177 من حديث عائشة . ( 3 ) أخرجه مسلم 176 من حديث ابن عباس . وانظر الدر المنثور 6 / 160 ( النجم : 5 - 18 ) .